أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

606

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1029 - وعضّ زمان يا ابن مروان لم يدع * من المال إلّا مسحتا أو مجلّف « 1 » فإنّ معنى « لم يدع من المال إلا مسحتا » لم يبق من المال إلا مسحت ، فلذلك عطف عليه « مجلّف » بالرفع مراعاة للمعنى الذي ذكرته لك . وفي البيت وجهان آخران ، أحدهما . . . ولا بدّ من التعرّض لهذه المسألة لعموم فائدتها فأقول : إذا وقع في كلامهم استثناء موجب نحو : « قام القوم إلا زيدا » فالمشهور وجوب النصب على الاستثناء . وقال بعضهم : يجوز أن يتبع ما بعد « إلا » ما قبلها في الإعراب فتقول : « مررت بالقوم إلا زيد » بجرّ « زيد » ، واختلفوا في تابعيّة هذا ، فعبارة بعضهم أنه نعت لما قبله ، ويقول : إنه ينعت بإلّا وما بعدها مطلقا سواء كان متبوعها معرفة أم نكرة مضمرا أم ظاهرا ، وهذا خارج عن قياس باب النعت لما قد عرفت فيما تقدّم . ومنهم من قال : لا ينعت بها إلا نكرة أو معرفة بأل الجنسية لقربها من النكرة . ومنهم من قال : قول النّحويين هنا نعت إنما يعنون به عطف البيان . ومن مجيء الاتباع بما بعد « إلّا » قوله : 1030 - وكلّ أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلّا الفرقدان « 2 » قوله : جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا « هو » ضمير مرفوع منفصل مؤكّد للضمير المستكنّ في « جاوز » . وقوله : وَالَّذِينَ يحتمل وجهين : أظهرهما : أنه عطف على الضمير المستكنّ في « جاوز » لوجود الشرط ، وهو توكيد المعطوف عليه بالضمير المنفصل . والثاني : أن تكون الواو للحال ، قالوا : ويلزم من الحال أن يكونوا جاوزوا معه ، وهذا القائل يجعل « الذين » مبتدأ والخبر « قالوا : لا طاقة » فصار المعنى : « فلمّا جاوزه والحال أنّ الذين آمنوا قالوا هذه المقالة » والمعنى ليس عليه . ويجوز إدغام هاء « جاوزه » في هاء « هو » ، ولا يعتدّ بفصل صلة الهاء لأنها ضعيفة ، وإن كان بعضهم « 3 » استضعف الإدغام ، قال : « إلا أن تختلس الهاء » يعني فلا يبقى فاصل . وهي قراءة أبي عمرو . وأدغم أيضا واو « هو » في واو العطف بخلاف عنه ، فوجه الإدغام ظاهر لالتقاء مثلين بشروطهما . ومن أظهر وهو ابن مجاهد وأصحابه قال : « لأنّ الواو إذا أدغمت سكنت ، وإذا سكنت صدق عليها أنها واو ساكنة قبلها ضمة ، فصارت نظير : آمَنُوا وَكانُوا « 4 » فكما لا يدغم ذاك لا يدغم هذا » . وهذه العلة فاسدة لوجهين : أحدهما : أنها ما صارت مثل « آمنوا وكانوا » إلا بعد الإدغام ، فكيف يقال ذلك ؟ وأيضا فإنهم أدغموا : يَأْتِيَ يَوْمٌ « 5 » وهو نظير : فِي يَوْمٍ « 6 » و الَّذِي يُوَسْوِسُ « 7 » بعين ما علّلوا به .

--> ( 1 ) البيت في ديوانه ( 556 ) ، المحتسب ( 1 / 180 ) ، الخصائص ( 1 / 199 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 1 / 31 ) ، الخزانة ( 2 / 347 ) ، الإنصاف ( 188 ) ، اللسان « سحت » . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 267 ) . ( 4 ) سورة يونس ، آية ( 63 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 254 ) . ( 6 ) سورة إبراهيم ، آية ( 18 ) . ( 7 ) سورة الناس ، آية ( 4 ) .